عالم النجم أحمد فتحى

عالم النجم أحمد فتحى

المنتدى الرسمى للمطرب المصرى أحمـد فتحـى
 
الرئيسيةالتسجيلبحـثقائمة الاعضاءدخول
شاطر | 
 

 اخلاق الرسول ومناقبة كما رآى المستشرقون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مازن
فنان فعال
فنان فعال


ذكر
برج العضو: القوس
الرصيد الرصيد: 119
العمر: 38
العمل: طالب
المزاج: هادى
الخبره الخبره: 24/01/2009
النقاط النقاط: 4312

مُساهمةموضوع: اخلاق الرسول ومناقبة كما رآى المستشرقون   2010-08-31, 12:25 pm

أخلاق الرسول و مناقبه

لقد عنيت كتب الحديث والسيرة النبوية وكذلك الدراسات التاريخية الإسلامية ، بشمائل الرسول ومناقبه ، ودرست بالتفصيل عاداته بل عمله اليومي ، ومنها ما أفردت لها فصولاً وأقساماً للتحدث عن مناقبه ، أو وضعت كتب مستقلة تناولت فيها عرف باسم الشمائل المحمدينة . . وكانت بدورها مجالاً للباحثين الغربيين والمستشرقين في دراساتهم ذلك الجانب الخلقي والخلقي للرسول . . . .

ويتحدث المستشرق ديسون عن اهتمام الباحثين الإسلاميين في سيرة الرسول ، يقول :



(( ولقد راح الكتاب المسلمون يصفون نبيهم فما تركوا ناحية من صفاته وأخلاقه إلا عرفوا بها وأشاروا إليها )) [1].

كان خلقه القران



كانت سيرة الرسول وأخلاقه الكريمة ، تعكس واقع التزامه العقيدي ، فكان " خلقه القرآن " حسب قول أم المؤمنين السيدة عائشة وهذا ما يؤكد مدى التطابق ما بين سيرته الحياتية وسلوكه مع مفاهيم الشريعة الإسلامية السصحة التي حملها للبشرية ، ولقد بحث المفكر الإسلامي مولانا محمد علي هذه القضية فقال :



((كانت حياته اليومية صورة صادقة للتعاليم القرآنية ، لقد كان هو تجسيداً، إذا جاز التعبير ، لكل ما أوصى القرآن الكريم به . وكما أن كتاب الله دستور أخلاق سامية لإنماء ملكات الإنسان المتعددة ، كذلك فإن حياة الرسول معرض عملي لتلك الأخلاق كلها . وهكذا فإن لدى المسلم هادياً من مزدوجاً : القرآن الكريم من الناحية النظرية ، وحياة الرسول كمثل كامل )) [2] .

الرسول هو القدوة الحسنة والمثل الأعلى



كان عليه الصلاة والسلام في سائر مراحل حياته القدوة الإنسانية والمثل الأعلى والنموذج الأمثل للكمال ، لكل مسلم ، بل منبع الهداية للبشرية جمعاء ، فسيد المرسلين خلقه العظيم إمام البشر والمعلم الأول والقدوة الحسنة ، وقد جاء في القرآن الكريم : ) لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ( ( الأحزاب /21) وعند هذه النقطة يقول الكاتب الفرنسي الكسندر دوما :



(( كان محمد معجزة الشرق لما في دينه من معالم ، وفي أخلاقه من سمو ، وفي صفاته من محامد )) .



فالرسول هو القدوة الأخلاقية الحسنة ، وهو القائل عن صدق : " إنما بعثت لأتهم مكارم الأخلاق " وكان طبيعياً أن تكون سيرته _عليه السلام _ كاملة ناصعة نقية ، معصومة عن الآثام . . . هذا . . ولقد رأى المفكر الإنكليزية جون أروكس بعصمة الرسول معياراً لعظمته ، يقول :



(( لم نعلم ان محمداً تسربل بأية رذيلة مدة حياته لذلك نراه عظيماً)) [3].

الجدية والبعد عن العبث واللهو



لقد كانت السمة الأساسية في أخلاق الرسول الجدية والابتعاد عن اللهو والعبث ، في سائر مراحل حياته ،. . . إذ لا يمكن أن يتم نشر رسالة الإسلام إلاً في إطار سيرة عملية جادة ، يقول توماس كارليل :



(( وما كان محمد بعابث قط ، ولا شاب شيئاً من قوله شائبة لعب ولهو . بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح ، ومسألة فناء وبقاء . ولم يك منه إزاءها إلا الإخلاص الشديد والجد المر . فأما التلاعب بالأقوال والقضايا المنطقية والعبث بالحقائق فما كان من شأنه قط . وذلك عندي أفظع الجرائم إذ ليس هو إلا رقدة القلب ، ووسن العين عن الحق ، وعيشة المرء في مظاهر كاذبة ، وليس كل ما يستنكر من مثل هذا الإنسان هو أن جميع أقواله وأعماله أكاذيب ، بل إنه هو نفسه أكذوبة . ورأى خصلة المروءة والشرف _شعاع الله_ متضائلاً في مثل ذلك الرجل ، مضطرباً بين عوامل الحياة والموت ، فهو رجل كاذب. لا أنكر أنه مصقول اللسان ، مهذب حواشي الكلام ، محترم في بعض الأزمان والأمكنة ، لا تؤذيك بادرته ، لين المس رقيق الملمس ، كحمض الكربون تراه على لطفه سما نقيعاً ، وموتاً ذريعاً )) [4] .

براءة طبعه

لقد اتسمت بساطة الخلق المحمدي ، في سائر مراحل حياته بابتعاده عن الرياء والتصنع ، يعرف تماماً حق قدره ، فكان عظيماً في وقفته الشجاعة ، وإرادته الصلبة ، وعزمه الذي لا يلين ، ماضياً أبداً إلى ما أرسل إليه . . . يقول توماس كارليل :



(( وإني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع . ولقد كان ابن القفار هذا رجلاً مستقل الرأي ، لا يعول إلا على نفسه ، لا يدعي ما ليس فيه . ولم يك متكبراً ، ولكنه لم يكن ذليلاً ضرعاً . فهو قائم في ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراد . يخاطب بقوله الحر المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم ، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة . وكان يعرف لنفسه قدرها )) [5] .

كرم الأخلاق و حسن العشرة و صحة الحكم



إن سجايا الرسول وأخلاقه التي كانت محط اهتمام الباحثين الإسلاميين ، استأثرت بدورها باهتمام المستشرقين . يقول أستاذ اللغات الشرقية في جامعة جنيف المستشرق إدوار مونتيه ( 1856 _1927 ) في كتابه :" حاضر الإسلام ومستقبله " ، بأحثاً جماع خصاله وجميل سجاياه ونزاهة مقاصده وصحة أحكامه وطبيعته الدينية كمصلح عظيم يدهش الفكر ، ويثير مكامن الإعجاب ، يقول مونتيه :



((أما محمد فكان كريم الأخلاق حسن العشرة ، عذب الحديث ، صحيح الحكم ، صادق اللفظ ، وقد كانت الصفة الغالبة عليه هي صحة الحكم ، وصراحة اللفظ ، والاقتناع التام بما يقبله ويقوله ، إن طبيعة محمد الدينية تدهش كل باحث مدقق نزيه القصد ، بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص ، فقد كان محمد مصلحاً دينياً ، ذا عقيدة راسخة ولم ينهض - إلا بعد أن تأمل كثيرا ، وبلغ سن الكمال _ بهاتيك الدعوة العظيمة ، التي جعلته من أسطع أنوار الإنسانية ، وهو في قتاله الشرك والعادات القبيحة التي كانت عند أباء زمنه ، كان في بلاد العرب أشبه بنبي من أنبياء بي إسرائيل الذين كانوا كبارا جدا في تاريخ قومهم ، ولقد جهل كثير من الناس محمداً بخسوه حقه ، وذلك لأنه من المصلحين الذين عرف الناس أطوار حياتهم بدقائقها )) [6] .

البساطة في حياة الرسول



هذا ، وقد درس مولانا محمد على أخلاق الرسول وعاداته ، فألف البساطة والإخلاص قوام الخلق المحمدي ، إذ أحب عليه السلام الفضيلة لذاتها ، وكانت لديه أخلاق سامية فطرية صميمة غير مكتسبة ، وليس أدل على رفيع خصاله من نهجه الحياتي في تنفيذ أعماله بيده ، بعيداً عن التكلف والرياء ، يتسم كل ما قام به من أعمال وحركات ، وكذلك طريقة حياته ولباسه وعاداته بالبساطة . . .



وكانت تلك البساطة منسجمة مع طبعه الهادي المفكر ، وهذا ما استدعى انتباه المؤرخ والمستشرق الأمريكي أورينج فقال في كتابه : "الحياة و الإسلام " :



((كان النبي الأخير بسيطاً خلوقاً ومفكراً عظيماً ذا آراء عالية ، وإن أحاديثه القصيرة جميلة ذات معان كبيرة ، فهو إذاً مقدس كريم )) [7].

القناعة و الرضى و مسألة الشهرة



إذ حقيقة حياة الرسول ، وبساطة طبعه وسلوكه ، إذ دلت على شيء ، فعل تلك القاعة التي هي أقرب للزهد والتقشف ، ابتعاداً عن أجواء الشهرة والجاه والسلطان التي غالباً ما تكوك وراء طموح عظماء التاريخ . . غير أن الرسول محمداً ما كان البتة بطامع بجاه ولا سلطان ، وإنما هدفه الأول والأخير نشر الدعوة الإسلامية وإعلاء كلمة الله ، فكان أن ترك الحياة الوادعة ، وعاش حياة كفاحية مريرة قاسية عرف فيها شظف العيش وقسوة الحاجة ، ولقد رد المستشرق الإنكليزي صاحب كتاب : "الأبطال " على أولك الذين جهدوا في اتهام الرسول _عليه السلام _ بالمطامع الدنيوية التي كانت وراء دعوته ، فقال :



((ويزعم المتعصبون والملحدون أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسلطان . كلا و أيم الله ، لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار والفلوات ، المتوقد المقلتين ، العظيم النفس ، المملوء رحمة وخيراً وحناناً وبراً وحكمة وحجى وإربه ونهى ، أفكار غير الطمع الدنيوي ، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه ... ولحيف و تلك نفس صامتة كبيرة ، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين . فينما ترى آخرين يرضون بالإصلاحات الكاذبة ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة، إذ ترى محمداً لم يرض أن يتلفع بمألوف الأكاذيب ويتوشح بمتبع الأباطيل ، لقد كان منفرداً بنفسه العظيمة بحقائق الأمور والكائنات ، )) [8] .

الزهد و التقشف و الابتعاد عن الشهوات



فالخلق المحمدي الذي هو خلق القرآن . يحيد عن العقيدة الإسلامية .. ولقد رد كارليل على أولك المتعصبين الحاقدين من المستشرقين الذين اتهموا الإسلام ورسول الإسلام بالشهوانية ، فالإسلام برأيه دين ينأى عن الشهوانية ، أما سيرة حياة الرسول التي اتسمت بالبساطة والزهد والتقشف ، فأبعد من أن تخفى على باحث ، يقول :



(( وما كان محمد أخا شهوات برغم ما اتهم به ظلماً وعدواناً ، وشد ما نجور ونخطيء إذا حسبناه رجلاً شهوياً ، لا هم له إلا قضاء مآربه من الملاذ، كلا فما أبعد ما كان بينه وبين الملاذ أياً كانت ، لقد كان زاهداً متقشفاً في مسكنه ومأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره وأحواله ، وكان طعامه عادة الخبز والماء ، وربما تتابعت الشهور ولم توقد بداره نار ، وإنهم ليذكرون _ونعم ما يذكرون _ أنه كان يصلح ثوبه ويرفوه بيده ، فهل بعد ذلك مكرمة ومفخرة ؟ فحبذا محمد من رجل خشن اللباس خشن الطعام ، مجتهد في الله ، قائم النهار ساهر الليل ، دائب في نشر دين الله ، غير طامح إلى ما يطمح إليه أصاغر الرجال من رتبة أو دولة أو سلطان ، غير متطلع إلى ذكر أو شهرة كيفما كانت ، رجل عظيم وربكم ، وإلا فما كان ملاقياً من أولئك العرب الغلاظ توقيراً واحتراماً ، وإكباراً وإعظاماً ، وما كان ممكنا أن يقودهم ويعاشرهم معظم أوقاته ثلاثاً وعشرين حجة ، وهم ملتفون به ، يقاتلون بين يديه ، ويجاهدون حوله ، لقد كان في هؤلاء العرب جفاء وغلظة وبادرة وعجرفة ، وكانوا حماة الانوف ، أباة للضيم ، وعري المقادة صعاب الشكيمة ، فمن قدر على رياضتهم وتذليل جانبهم حتى رضخوا له واستقادوا ، فذلك وأيم الله بطل كبير ولولا ما أبصروا فيه من آيات النبل والفضل لما خضعوا له ولا أذعنوا ، وكيف وقد كانوا أطوع له من بنانه ، وظني أنه لو كان أتيح لهم بدل محمد قيصر من القياصرة بتاجه وصولجانه لما كان مصيباً من طاعتهم مقدار ما ناله محمد في ثوبه المرقع بيده ، فكذلك تكون العظمة ، وهكذا يكون الابطال )) [9] .

الرسول و المرأة



هذا ، و قد حاولت الأقلام الاستشراقية المغرضة أن تنفث سمومها في رسول الإسلام حين ألصقت فيه تهمة الشهوانية وتهالكه على النساء . . يقول مونتجمري وات في كتاب : "محمد في المدينة" :



(( وهناك اتهام أوروبي مسيحي لمحمد بأنه شهواني أو أنه ، بلغة القرن السابع عشر ، الفظة « فحاش مسن » غير أن هذه التهمة تسقط إذا فحصناها على ضوء الأفكار السائدة في عصر محمد . كان الفكر الإسلامي في أول ظهور الإسلام يميل إلى تضخيم شخصية النبي ورفعها فوق مستوى البشر ، ويوجد حديث يقول ( إن محمداً قد أعطي من قوة الرجولة ما يجعله يستطيع أن يقسم ليلته بين جميع نسائه ) .



ولا شك أننا هنا بصدد حديث موضوع لان الحديث العادي يقول بأن محمداً كان يخصص ليلة لكل واحدة من نسائه ، ونستطيع على كل حال أن نحكم من وراء ذلك على موقف بعض أتباع محمد منه . كان المسلمون الاول سيئي الظن بالعزوبية ، وكانوا يعارضونها في كل مناسبة حتى الزهاد في الإسلام كانوا عادة متزوجين )) [10] .



هذا ، ويرد إميل درمنغهم على هجوم المستشرقين الذين يتناولون حياة الرسول الخاصة ، وعابوا عليه تعدد زوجاته وشبقه الجنسي ، يقول :



((وإن بعضهم يعيب محمداً في كثرة ميله إلى النساء ، فإنه مما لا مشاحة فيه ، أن محمداً لم يكن شرهاً ولا فخوراً ولامتعصباً ولامنقاداً للمطامع ، بل كان حليماً رقيق القلب عظيم الانسانية )) [11] .



ويناقش الباحث الفرنسي- المستشرق إتيين دينيه في كتابه : " محمد رسول الله " من يعيب على الرسول حبه النساء ، بقوله :



(( كان محمد يحب النساء ، وقد عاب عليه الكثير من الأعداء ذلك . وحقاً كان محمد رجلاً بكل ما في الكلمة من معان خلقية ومادية ، ورجولته امتازت بالعفة التي لا تتعارض مع أسباب اللذة البريئة المجردة من الدنس ، وعلى منواله سلك العرب الذين يمتازون حتى أيامنا هذه بالعفة والحياء الخاليتين من كل تكلف ورياء ، لا كحياء المغالين في الدين وعفتهم المصطنعة المدعاة .



وإذا كان محمد قد عقد على ثلاث وعشرين زوجة فإنه لم يتصل إلا باثنتي عشرة منهن . أما الأخريات فتزوجهن لأسباب سياسية محضة ، إذ كانت كل القبائل ترغب في شرف مصاهرته . وقد كثرت عليه الطلبات في شأن ذلك ويروى أن عزة أخت دحية الكلبي ماتت من شدة الفرحة عندما نبئت أن الرسول قبل الزواج بها وقد كان الرسول يعطف على النساء جميعاً وحاول في كل مناسبة أنصافهن . فحرم أول ما حرم وأد البنات ، تلك العادة القبيحة القاسية التي تحدثنا عنها فيها سبق . ثم وضع حداً لتعدد الزوجات ، فجعل العدد الأقصى منهن أربعاً ، وزاد على ذلك أن نصح المؤمنين بالتفكير في الآية : } . . . فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، مثنى و ثلاث ورباع ، فإن خفتم ألاً تعدلوا فواحدة . . { .



ومن أحاديثه : « أبغض الحلال إلى الله الطلاق » . . . وأتبع ذلك بأن منح المرأة حق المطالبة بالطلاق إن لم يوف الرجل بوجباته الزوجية )) [12] .



(( وبفضل تشريعاته الحكيمة أصبحت البنت البالغ تستشار قبل زواجها ، وأصبح المهر لا يعطى للأب بل للعروس نفسها ، وقد وصف أعداء الإسلام تلك السنة الحكيمة بأنها : " شراء للمرأة " . وهم لم يسمعوا ، فيها أظن ، ذلك الجواب المفعم الذي يمكن أن يرد به المسلمون عليهم حينا يقولون لهم : إن المهر في بعض الأقطار الغربية يدفعه والد البنت إلى رجلها ! . . . وفوق ذلك ، فالمسلم مكلف بسائر حاجات البيت دون أن يكون له أي حق في التصرف في مال امرأته .



ومنح الرسول المرأة كذلك حق في الميراث- . وحقها به : نصف حق الذكر ، وذلك لأن المرأة لا تدفع مهراً كالرجل وليس مكلفاً بحاجات البيت )) [13] .



ومن جهته ناقش العقاد في كتابه « عبقرية محمد » آراء المستشرقين فيها خص علاقة الرسول بالمرأة ، وفند مزاعمهم عن انسياقه وراء رغباته الجنسية ونزواته . . فالرسول برأيه هو أولا يقيم علاقات طبيعية مع المرأة وثانياً هو طبيعي بحبه المرأة يقول :



(( ونحن قبل كل شيء لا نرى ضيراً على الرجل العظيم أن يحب المرأة ويشعر بمتعتها ، هذا سواء في الفطرة _ لا عيب فيه ، وهذه النفس السوية يمكننا أن نفهمها بجلاء حين نرى أن المرأة لم تشغله عما تشغل المرأة الرجل المفرط في معرفة النساء عن مهام الأمور والقيام بالأعباء الجسام . . فمهما قال هؤلاء فلن يستطيعوا أن ينكروا أن محمداً قد حقق ما لم يحققه بشر قبله ولا بعده ، لم يشغله عن هذا شيء ، لا امرأة ولا غير امرأة ، فإن كانت عظمة الرجل قد أتاحت له أن يعطي الدعوة حقها ، ويعطي المرأة حقها ، فالعظمة رجحان وليست بنقص ، وهذا الأستيفاء السليم كمال وليس بعيب )) [14] .



ودلت الدراسات المنصفة عن حياة الرسول أن زواجه من نسائه كان بعيداً عن الاستلام للنزوات الجنسية والانغماس باللذة ، على عكس ما ذهب إليه المستشرقون المغرضون يقول العقاد :



((قال لنا بعض المستشرقين إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية ، قلنا إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر الجنسية لانه لم يتزوج قط . فلا ينبغي أن تصف محمداً بأنه مفرط الجنسية لأنه جمع بين تسع نساء ، 0)) [15] .



وإلى جانب الناحية الاجتماعية الأخلاقية ، كانت ، سياسية في زواجه يقول مولانا محمد على :



((ثم إن بعض الأسباب السياسية أفضت أيضاً إلى زواج الرسول من بعض نسائه . فزواجه من جويرية مثلاً كان نعمة عظمى على قومها . إنه لم يضع حداً لعداوة بني المصطلق المريرة فحسب ، ولكنه شدهم إلى المسلمين برباط من الصداقة قوي أيضاً ، وفوق هذا ، فقد كان من النتائج المباشرة لذلك الزواج إطلاق سراح مئات الأسرى من أبناء تلك القبيلة . فهل كان غرضه من هذا الزواج شيئاً آخر غير الغرض الديني ؟ وكذلك كان اليهود ألد أعداء الإسلام في بلاد العرب . وقد حاول الرسول أن يتألف قلوبهم أيضا من طريق البناء بامرأة من نبيلاتهم . ولكن حقد اليهود أثبت هذه المرة أنه أقوى من أن يتأثر بإجراءات الرسول الاسترضائية ، لقد أصروا على عداوتهم ، ولم يكنوا في أيما يوم عن إنزال الأذى بالإسلام . ومع ذلك فقد بذل الرسول قصارى جهده لتألفهم . وكانت ميمونة أرملة أيضاً ، وكانت تنتسب إلى قبيلة معادية ، برغم أن الظروف التي قادت إلى زواجها من الرسول كانت مختلفة بعض الشيء ، . كانت أختها قد تزوجت العباس ، عم الرسول ، ومن هنا لم تكد تعرض على الرسول الزواج منها حتى وجد نفسه غير قادر على الرفض ، )) [16] .

بل إن زواج الرسول من رملة بنت أبى سفيان _حسب رأي العقاد_ كان إنسانياً سياسياً ، فقد تم بدافع النجدة الإنسانية .. والأمل في أن يكسب أبا سفيان إلى صفه " عسى أن يهديه ذلك إلى الدين" . و بما يعطف في قلبه و يرضي من كبريائه)) [17].



وكتب المفكر المصري واصف باشا بطرس غالي ، في مؤلفه : " فروسية العرب المتوارثة" رداً على افتراءات بيرون ضد الرسول و تعصبه الفاضح :



(( كان محمد يحب النساء ويفهمهن ، وقل عمل جهد طاقته . لتحريرهن ، وربما كان ذلك بالقدوة الحسنة التي استنها إضافة للقواعد والتعاليم التي وضعها ، وهو يعد بحق من أكبر أنصار المرأة ، إن لم يكن عظيم الاحترام والتكريم لهن ، لم يكن ذلك خاصاً منه بزوجاته ، بل كان ذلك شأنه مع جميع النساء على السواء )) [18] .



ويخلص مولانا محمد علي إلى توضيح أن تعدد الزوجات في الإسلام استثناء للقاعدة ، وليس قاعدة ثابتة ، هدفها إصلاح المجتمع ، وصون الأخلاق ، وأن زواج الرسول بأكثر من واحدة جاء انسجاماً مع رسالة حياته الأخلاقية والدينية :



(( ومن هنا نرى أن زيجات الرسول كلها كانت تستهدف غرضاً أخلاقياً باطناً . فقد نشأت في حياته ظروف لم يكن في ميسوره تجاهلها، انسجاماً منه مع رسالة حياته الأخلاقية والدينية ، أن يقصر نفسه على زوجة واحدة ، لقد كان خير البشرية مرهوناً بسلوك هذه السبيل ، فلم يحجم عن سلوكها . وإنما قض زهرة حياته ، بل القسم الأعظم من كهولته ، في كنف امرأة مفردة ، مظهراً بذلك أن الزواج من واحدة هو القاعدة في الأحوال السوية . حتى إذا تهدد الخطر طهارة النساء وعفافهن ، ومس الأمر وضعهن الاجتماعي، لم يتقاعس عن الأخذ بالبديل الأوحد _أعني تعدد الزوجات _ ولكن علينا أن لا ننسى أن ذلك كان مجرد استثناء للقاعدة قصد به مواجهة حالات شاذة ، وليس القاعدة نفسها )) [19].



ومن هنا ، نجد أن التهم الاستشراقية التي تلصق بالرسول الشهوانية ، تتهاوى أمام النقد ، وتتساقط أمام الحقائق التاريخية . . بل إن رسالة الإسلام كانت خيراً للمرأة إذ جعلتها صنواً للرجل ، وعماداً للأسرة ، وأعطتا الحقوق القانونية والاقتصادية وعززت مكانتها الاجتماعية . . فرسالة الإسلام العالمية التي حملت الخير ، وحققت العدالة والمساواة لأبناء المجتمع الواحد ، والإخاء بين الشعوب المختلفة حري بها أن تكون حاملة الخير والعدل للمرأة ، وعملت على المحافظة على عفتها ، يقول الباحث والروائي الألماني ويلكي كولنز ، في كتابه : « جوهرة القمر » :



(( لقد جاء محمد بصيانة النساء وحثهن على العفاف ، وحذر من السير على خلافهما ، مشيراً إلى ما في هذين من النقص والخسة ، وكم لمثل هذا من نظير في شريعته السامية )) [20] .

نكران ذاته



وكان الرسول في سيرته الحياتية معروفاً بنكران الذات ، وتضحيته بثروته في سبيل العقيدة ، يقول المؤرخ الأمريكي واشنطون إرفنج :



((كان الرسول في كل تصرفاته ناكراً ذاته ، رحيماً بعيداً عن الكبير في الثراء والمصالح المادية ، فقد ضحى بالماديات في سبيل الروحانيات )) [21].

وما أرسلناك إلاً رحمة للعالمين



إن الخلق المحمدي الذي هو خلق القرآن ، قد طبع بالرحمة والطيبة ، لا سيما وأن الله بعثه لينقذ البشرية من ضلالها ، ويكون هاديها إلى خير سبيل ، حاملاً لها الرحمة والخير . . . يقول المستشرق الأسباني جان ليك ( 1822-1897) في كتابه : " العرب " مؤكداً هذه الحقيقة :



وحياة محمد التاريخية لا يمكن أن توصف بأحسن مما وصفها الله نفسه بألفاظ قليلة ، بين بها سبب بعث النبي (محمد) )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ( .



وقد برهن بنفسه على أن لديه أعظم الرحمات لكل ضعيف ، ولكل محتاج إلى المساعدة ، كان محمد رحمة حقيقة لليتامى والفقراء وابن السبيل والمنكوبين والضعفاء والعمال وأصحاب الكد والعناء ، وإني بلهفة وشوق لأن أصلى عليه وعلى أتباعه )) [22] .

رقته و سماحة طبعه

وإلى جانب بساطته وزهده وبعده عن الشهوات كان _عليه الصلاة والسلام _ء رقيق مع الآخرين يعامل أصدقاءه باحترام وتقدير ، مع لين عريكة وسهولة جانب ، ولطف ودماثة هي ملازمة لبطولته وشجاعته وكريم أخلاقه التي لا تعرف التصنع ولا التكلف ، تلك الصفات التي اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء . يقول المستشرق البريطاني لين بول ( 1652 _17 19 ) في مؤلفه : "رسالة في تاريخ العرب " متحدثاً عن سجايا الخلق المحمدي :



((إن محمداً كان يتصف بكثير من الصفات كاللطف والشجاعة ، وكرم الأخلاق ، حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يتأثر بما تطبعه هذه الصفات في نفسه ، ودون أن يكون هذا الحكم صادراً عن غير ميل أو هوى ، كيف لا وقد احتمل محمد عداء أهله وعشرته سنوات بصبر وجلد عظيمين ، ومع ذلك فقد بلغ من نبله أنه لم يكن يسحب يده من يد مصافحه حتى لو كان يصافح طفلاً ، وأنه لم يمر بجماعة يوماً من الأيام رجالاً كانوا أم أطفالا دون أن يسلم عليهم ، وعلى شفتيه ابتسامة حلوة ، وبنغمة جميلة كانت تكفي وحدها لتسحر سامعيها ، و تجذب القلوب إلى صاحبها جذباً ، وقد كان محمد غيوراً ومتحمساً ، وما كانت حماسته إلا لغرض نبيل ، ومعنى سام ، فهو لم يتحمس إلا عندما كان ذلك واجباً مفروضاً لا مفر منه ، فقد كان رسول من الله ، وكان يريد أن يؤدي رسالته على أكمل وجه ، كما أنه لم ينس يوماً من الأيام كيانه أو الغرض الذي بعث من أجله ، دائماً كان يعمل له ويتحمل في سبيله جميع أنواع البلايا ، حتى انتهى إلى إتمام ما يريد ))[23] .



وأما الكاتب الإنكليزي السير وليم موير فيتناول في مؤلفه : " حياه محمد " سجايا الرسول وشمائله ولين عريكته وتعامله مع الأطفال ، فيقول :



(( ومن صفات محمد الجليلة الجديرة بالذكر ، والحرية بالتنويه ، الرقة و الاحترام ، اللذان كان يعامل بهما أصحابه ، حتى أقلهم شأناً ، فالسماحة والتواضع والرأفة والرقة تغلغلت في نفسه ، ورسخت محبته عند كل من حوله ، وكان يكره أن يقول لا ، فإن لم يمكنه أن يجيب الطالب على سؤاله ، فضل السكوت على الجواب ، ولقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها ، وقالت عائشة رض الله عنها ، وكان إذا ساءه شيء تبينا ذلك في أسارير وجهه ، ولم يمس أحداً بسوء الا في سبل الله ، ويؤثر عنه أنه كان لا يمتنع عن إجابة الدعوة من أحد مهما كان حقيراً ، ولا يرفض هدية مهداة إليه مهما كانت صغيره ، وإذا جلس مع أحد أياً كان لم يرفع نحوه ركبته تشامخاً وكبراً ، وكان سهلاً لين العريكة مع الأطفال ، لا يأنف إذا مر بطائفة منهم يلعبون أن يقرئهم السلام ، وكان يشرك غيره في طعامه )) [24] .

رجاحة عقله



ويتناول الباحث و المؤرخ – الفرنسي كاردفو ( 1872-1933 ) جانب بساطة الرسول ولين عريكته وسهولة خلقه مقروناً برجاحة العقل واتزان التفكير فيقول في كتابه :" العرب " :



((ومن المعروف عن _محمد_ أنه مع أميته كان أرجح الناس عقلاً ، وأفضلهم رأياً ، دائم البشر ، مطيل الصمت ، لين الجانب ، سهل الخلق ، يكثر الذكر ويقل اللغو ، يستوي عنده في الحق القريب والبعيد ، والقوي والضعيف ، يحب المساكين ، لا يحقر فقيراً لفقره ، ولا يهاب ملكاً لملكه ، يؤلف أصحابه ولا ينفرهم » ويساير من جالسه أو قاومه ، ولا يحيد عمن صافحه حتى يكون الرجل هو المنصرف ، يجلس على الارض ، ويخصف النعل ، ويرقع الثوب )) [25]

رقه قلب وأخو الإنسانية العظيم



إذ رقة قلب رسول الله وr ، مشهودة له في سيرته الحياتية ، وكان فؤاده يتفطر حزناً على إخوانه في الإنسانية للفساد الواقعين به ، "والقرآن الكريم يشهد على ذلك حين يقول } ولعلك باخع نفسك إلا يكونوا مؤمنين { (26/3) ولقد عني عناية بالغة بمصلحة أتباعه وخيرهم " .



ويتناول المفكر الإنكليزي توماس كارليل في كتابه : " الأبطال " جوانب من حياة الرسول تظهر رقة قلبه ومحبته لأصدقائه و رحمته ، وأنه كان أخاً للإنسانية جمعاء ، يقول :



(( وكانت آ خر كلماته تسبيحاً وصلاة ، صوت فؤاد يهم بين الرجاء والخوف أن يصعد إلى ربه . ولا تحسب أن شدة تدينه أزرت بفضله ، كلاً بل زادته فضلاً ، وقد يروى عنه مكرمات عالية ، منها قوله حين رزىء بغلامه : « العين تدمع ، والقلب يوجع ، ولا نقول ما يسخط الرب » . ولما استشهد مولاه زيد ( بن حارثة ) في غزوة " مؤتة " قال محمد : " لقد جاهد زيد في الله حق جهاده ، ولقد لقي الله اليوم فلا بأس عليه " ولكن ابنة زيد وجدته بعد ذلك يبكي على جثة أبيها ، وجدت الرجل الكهل الذي دب في رأسه المشيب يذوب قلبه دمعاً ! فقالت : " ماذا أرى ؟ " ، قال : " صديق يبكي صديقه " . مثل هذه الأقوال وهذه الأفعال ترينا في محمد أخا الإنسانية الرحيم ، أخانا جميعاً الرؤوف الشفيق ، وابن أمنا الأولى وأبينا الأول ))[26] .



و كانت رقة قلب الرسول و رحمته و خصاله الاخرى المتسمة بالانسانية تنطبق على مصداقية قوله : « الخلق كلهم عيال الله » ؟ يقول جان ليك في كتابه : " العرب " :





((ما أجمل ما قال المعلم العظيم ( محمد r) ( الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله )) [27] .

محبة أصدقاءه



أما الباحث الإسلامي مولانا محمد علي فيتحدث عن جوانب الرحمة في حياة الرسول ومحبته أصدقاءه ، يقول :



(( وكان الرسول يحب أصحابه حباً جماً . وكان إذا ما صافح أحداً منهم لم يسحب يده إلا بعد أن يسحبها صاحبه . وكان لا يلقى الناس إلا بوجه باسم . وفي رواية عن جرير بن عبد الله أنه لم يمر النبي إلا وعلى وجهه ابتسامة . وكان في بعض الأحيان يمازح أصحابه ويداعبهم مداعبات بريئة . وكان يتحدث إليهم تاركاً نفسه على سجيتا غير مصطنع أيما تحفظ قد يوقع في نفوسهم أنه أسمى منهم مقاماً . . ، ولم يكن ليمتدح أو يثني على نفسه البتة . وكان يحمل أولاد أصحابه بين يديه ويحتضنهم . وكانوا ي********ون ملابسه في بعض الأحيان ، وكان أيما مسحة من الاستياء لم تكن لتطيف بوجهه . وكان يكره الاغتياب ويحظر على زائريه أن يذموا أحداً من أصحابه ، إذ كان _كما قال _ حسن الظن بهم جميعاً . وكان يبدأ أصحابه إذا لقيم ، بالسلام ، ويبدأهم بالمصافحة أيضاً . وكان يناديهم أحيانا بأسماء التحبب تعبيراً عن مودته لهم . وكان لا يصادقه أحد منهم إلا رعى صداقته وقدرها حق قدرها . وكان أبو بكر خليله وصفيه حتى اللحظة الاخيرة . وكان من دأب الرسول أن يتذكر _في تأثر غض _ وفاة خديجة وإخلاصها ، حتى بعد انقضاء سنوات طويلة على وفاتها . وكان زيد ، عبده المعتق ، شديد التعلق به إلى حد جعله يؤثر البقاء في كنفه على الذهاب مع أبيه إلى مسقط رأسه . وكان يتغاضى عن مناحي الضعف عند الناس ولايلمح إليها مجرد إلماح . وحتى إذا وقف في المسلمين خطيباً تحدث عن الوسيلة إلى التخلص من عيب معين من غير أن يدع أيما امرىء يشعر أن الرسول يشير إليه ، )) [28] .

رحمته بالأعداء



والحديث عن سماحة الرسول ومحبته أصدقاءه ، لا بد أن يقود إلى موقف الرسول من الأعداء . . فالرحمة والسماحة هما سمتان طبيعيتان في جبلته تبرزان في تعامله مع أصدقائه أو أعدائه . يقول مولانا محمد على :



(( وسماحة الرسول نحو أعدائه يعز نظيرها في تاريخ العالم . فقد كان عبد الله بن أبي عدواً للإسلام ، وكان ينفق أيامه ولياليه في وضع الخطط لإيقاع الأذى بالدين الجديد ، محرضاً المكيين واليهود تحريضاً موصولاً على سحق المسلمين . ومع ذلك فيوم توفي عبد الله دعا الرسول ربه أن يغفر له ، بل لقد قدم رداءه إلى أهله كي يكفنوه به . والمكيون الذين أخضعوه وأصحابه ، دائماً وأبداً ، لأشد التعذيب بربرية منحهم عفواً عاماً . وفي إمكان المرء أن يخيل المعاملة التي كان يجدر بفاتح دنيوي النزعة أن يعاملهم بها . ولكن صفح الرسول كان لا يعرف حدوداً . فقد غفر لهم ثلاثة عشر عاماً من الاضطهاد والتآمر . وكثيراً ما أطلق سراح الأسرى في سماحة بالغة ، رغم أن عددهم بلغ في بعض الأحيان ستة آلاف أسير . وفي رواية عن عائشة أنه لم ينتقم في أيما يوم من الأيام من امرىء أساء إليه . صحيح أنه أنزل العقوبة ببعض أعدائه في أحوال نادرة جداً ، وفي فترات جد متباعدة . ولكن تلك الحالات كانت تطوى كلها على خيانات بشعة قام بها أناس لم يعد الصفح يجدي في تقويمهم وإصلاحهم . والحق أن ترك أمثال هؤلاء المجرمين سالمين غانمين كان خليقاً به أن يني استحسان الأذى والتشجيع عليه . والرسول لم يلجاً إلى العقوبة قط حيثما كان ثمة مجال لنجاح سياسة الصفح كرادع إن لم نقل كإجراء إصلاحي . ولقد أسبغ عفوه على أتباع الأديان جميعاً _يهود ، ونصارى ، وؤثنيين ، وغيرهم _ إنه لم يقصر إحسانه على أتباع دينه فحسب )) [29] .

الرحمة و العنف



غير أن موقف الرسول من الأعداء لا بد أن يقود عملياً ، إلى مناقشة المواقف التي تفرض على القائد فرضاً فتدفعه إلى الشدة التي يراها البعض قسوة وعنفاً ، . . فالرسالة الإسلامية هذه النبتة التي نشأت في مناخ عدائي لا يمكن أن تظهر كدوحة جبارة دون أن تكون على مواقف جدية في مواجهة العنف المضاد ، في إطار المجابهة بين قوتين أو أحياناً القيام بأعمال رادعة تمنع تآمر الأعداء و تزيل أخطارهم المستقبلية ، يقول توماس كارليل :



(( ولم تخل الشعوب الشديدة التي وقعت له مع الأعراب من مشاهد قسوة ، ولكنها لم تخل كذلك من دلائل رحمة وكرم وغفران . وكان محمد لا يعتذر من الأولى ولا يفتخر بالثانية . إذ كان يراها من وحى وجدانه وأوامر شعوره ، ولم يكن وجدانه لديه بالمتهم ولا شعوره بالظنين ))[30] .

ومن العجب أن بعض المستشرقين الحاقدين ألصقوا بالرسول تهمة القسوة والجبن .. فكان أن انبرى من صفوف رجالاتهم من عرفوا حقيقة الخلق المحمدي ، وطبيعة الرسالة الإسلامية السمحة ليدافعوا عن الرسول ، وينافحوا عن الرسالة ، مظهرين بطلان ما نفثته أقلام الحاقدين ، ومن بين أولئك المنصفين الذين قدروا الرسول حق قدره المؤرخ المستشرق الفرنسي سيديو الذي أعطى الحضارة الإسلامية حقها، يقول :



((من التجني على حقائق التاريخ ما كان من عزو بعض الكتاب إلى محمد القسوة والجبن. فقد نسي هؤلاء أن محمداً لم يأل جهداً في إلغاء عادة الثأر الموروثة الكريهة التي كانت ذات حظوة لدى العرب ، كحظوة المبارزات بأوروبة فيها مضى . وكأن أولئك الكتاب لم يقرأوا آيات القرآن التي قضى محمد فيها على عادة الوأد الفظيعة . وكأنهم لم يفكروا في العفو الكريم الذي أنعم به على ألا أعدائه بعد فتح مكة ، ولا في الرحمة التي حبا بها ، كثيراً من القبائل عند ممارسة قواعد الحرب الشاقة ، ولا إلى ما أبداه من أسف على بعض الأمم الشديدة ، وكأنهم لم يبصروا أن الأمة أم القبائل العربية كانت تعد الانتقام أمراً واجباً وأنها ترى من حق كل مخلص أن يقتل من غير عقاب من يكون خطراً عليها ذات يوم . . . وكأنهم لم يعلموا أن محمداً لم يسئ ، استعمال ما اتفق له من السلطان العظيم ، قضاء لشهوة القسوة الدنيئة ، وأنه لم يأل جهداً _في الغالب _ في تقويم من يجور من أصحابه ، والكل يعلم أنه رفض _بعد غزوة بدر_ رأي عمر بن الخطاب في قتل الأسرى ، وأنه عندما حل وقت مجازاة بني قريظة ترك الحكم في مصيرهم لحليفهم القديم سعد بن معاذ ، وأنه صفح عن قاتل عمه حمزة ، وأنه لم يرفض _قط _ ما طلب إليه من اللطف والسماح )) [31] .

ليس الإرهاب من الخلق المحمدي



ولقد رد العقاد في كتابه : " عبقرية محمد " على أولئك المستشرقين الذين ادعوا أن الإسلام لم ينجح بغير الوعيد والوعود أو غير الإرهاب بالسيف والإغراء بلذات النعيم ومتعة الخمر ، والحور العين ، بقوله :



(( أي إرهاب وأي سيف ؟



(( إن الرجل حين يقاتل من حوله إنما يقاتلهم بالمئات والألوف . . وقد كان المئات والألوف الذين دخلوا في الدين الجديد يتعرضون لسيوف المشركين ولا يعرضون أحداً لسيوفهم ، وكانوا يلقون عنتاً ولإ يصيبون أحداً بعنت ، وكانوا يخرجون من ديارهم لياذاً بأنفسهم وأبنائهم من كيد الكائدين ونقمة الناقمين ، ولا يخرجون أحداً من داره .



فهم لم يسلموا على حد السيف خوفاً من النبي الأعزل المفرد بين قومه الغاضبين عليه ، بل أسلموا على الرغم من سيوف المشركين ووعيد الأقوياء المتحكمين ، ولما تكاثروا وتناصروا حملوا السيف ليدفعوا الأذى ، ويبطلوا الإرهاب والوعيد ، ولم يحملوه ليبدأوا أحداً بعدوان أو يستطيلوا على الناس بالسلطان .



فلم تكن حرب من الحروب النبوية كلها حرب هجوم ولم تكن كلها إلا حروب دفاع وامتناع .



أما الإغراء بلذات النعيم ومتعة الخمر والحور العين ، فلو كان هو باعثاً للإيمان ، لكان أحرى الناس أن يستجيب إلى الدعوة المحمدية هم فسقة المشركين وفجرتهم ، وأصحاب الترف والثروة فيهم ، ولكن طغاة قريش هم أسبق الناس إلى استدامة الحياة واستبقاء النعمة . فإن حياة النعيم بعد الموت محببة إلى المنعمين تحبيبها إلى المحرومين ، بل لعلها أشهي إلى الأولين وأدنى ، ولعلهم أحرص عليها وأحن ، لأن الحرمان بعد التذوق والاستمرار أصعب من حرمان من لم يذق ولم يتغير عليه حال .



لم يكن أبو لهب أزهد في اللذة من عمر . . . ولم يكن السابقون إلى محمد أرغب في النعيم من المتخلفين عنه )) [32] .



و بعد أن وقفنا عند منافحة المفكر العربي عباس محمود العقاد عن الرسول ونفي ما جاء به المستشرقون من اتهامات مغرضة ، ونظرات مجحفة ، وأقاويل باطلة نقف عند رد الباحث الإنكليزي توماس كارليل على تلك الفرية التي تذهب إلى أن الإسلام لم ينتشر إلا بحد السيف ، يقول هذا الكاتب المنصف :



(( ولقد قيل كثيراً في شأن نشر محمد دينه بالسيف ، فإذا جعل الناس ذلك دليلاً على كذبه ، فشد ما أخطأوا وجاروا ، فهم يقولون ما كان الدين لينتشر لولا السيف ، ولكن ما هو الذي أوجد السيف ؟ هو قوة ذلك الدين ، وأنه حق . والرأي الجديد أول ما ينشأ يكون في رأس رجل واحد ، فالذي يعتقده هو فرد _فرد ضد العالم أجمع _، فإذا تناول هذا الفرد سيفاً وقام في وجه الدنيا فقلما والله يضيع . وأرى على العموم أن الحق ينشر نفسه بأية طريقة حسبما تقتضيه الحال ، أو لم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحياناً ، وحسبكم ما فعل شارلمان بقبائل الإباحيهون ، وأنا لا أحفل كان انتشار الحق بالسيف أم باللسان أو بأية آلة أخرى ، فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة أو بالصحافة أو بالنار ، لندعها تكافح وتجاهد بأيديها وأرجلها وأظافرها فإنها لن تزم إلا ما كان يستحق أن يهزم ، وليس في طاقتها قط أن تقضي على ما هو خير منها ، بل ما هو أحط وأدنى . فإنها حرب لا حكم فيها إلا الطبيعة ذاتها ، ونعم الحكم ما أعدل وما أقسط ، وما كان أعمق جذراً في وأذهب أعراقاً في الطبيعة ، فذلك هو الذي ترونه بعد الهرج و المرج والضوضاء والجلبة نامياً زاكياً وحده .



أقول الطبيعة أعدل حكم، بلى ما أعدل وما أعقل وما أرحم وما أحلم ، إنك تأخذ حبوب القمح لتجعلها في بطن الأرض ، وربما كانت هذه الحبوب مخلوطة بقشور و تبن وقمامة وتراب ، وسائر أصناف الأقذاء ، ولكن لا بأس عليك من ذلك ، وألق الحبوب بجميع ما يخالطها من القذى في جوف الأرض العادلة البارة فإنها لا تعطيك إلا قمحاً خالصاً نقياً ، فأما القذى فإنها تبلعه في سكون و تدفنه ، و لانذكر عنه كلمة ، وما هي إلا برهة حتى نرى القمح زاكياً يهتز كأنه سبائك الإبريز ، والأرض الكريمة قد طوت كشحاً على الأقذاء وأغضت ، بل إنها حولتها كذلك إلى أشياء نافعة ، ولم تشك منها شجواً ولا نصباً . وهكذا الطبيعة في جميع شؤونها ، فهي حق لا باطل ، وهي عظيمة وعادلة ورحيمة حنون ، وهي لا تشترط في الشيء ، إلا أن يكون صادق اللباب حر الصميم ، فإذا كان كذلك حمته وحرسته ، أو كان غير ذلك لم تحمه ولم تحرسه ، فترى لكل شيء تحميه الطبيعة روحاً من الحق ، أليس شأن حبوب القمح هذه والطبيعة هو ، وا أسفاه ، شأن كل حقيقة كبرى جاءت إلى هذه الدنيا أو تجيء ، فيها بعد ؟ أعني أن الحقيقة مزيج من حق وباطل نور في ظلام ، وتجيئنا الحقائق في أثواب من القضايا المنطقية و نظريات علمية من الكائنات ، لا يمكن أن تكون تامة صحيحة صائبة ، ثم لا بد من أن يجيء يوم يظهر فيه نقصها وخطأها وجوهرها فتموت وتذهب ، نعم يموت ويذهب جسم كل حقيقة ، ولكن الروح تبقى أبداً ، ويتخذ ثوباً أطهر ، وبدناً أشرف ، وما يزال يتنقل من الأثواب والأبدان ، من حسن إلى أحسن وجيد إلى أجود ، سنة الطبيعة التي لا تتبدل . نعم إن جوهر الحقيقة الكريم حي لا يموت ، وإنما النقطة الهامة والأمر الوحيد الذي يعرض في محكمة الطبيعة ومجلس قضائها هو هل هذا الروح حق وصوت من أعماق الطبيعة ؟ وليس بهام عند الطبيعة ما نسميه نقاء الشيء ، أو عدم نقائه ، وليس هو بالسؤال النهائي ، ليس الأمر الهام عند الطبيعة حينا تقدم اليها أنت لتصدر حكمها فيك ، هو أفيك أقذار وأكدار أم لا؟ وإنما هو أفيك جوهر وروح صدق أم لا؟ أو بعبارة تشبيية ليس السؤال الهام عند الطبيعة هو أفيك قشور أم لا؟ بل أفيك قمح ؟ أيقول بعض الناس إنه نقي ، إنى أقول له : " نعم نقي " نقى جداً ولكنك قشر ، ولكنك باطل وأكذوبة وزور وثوب بلا روح ، ومجرد اصطلاح وعادة ، وما امتد بينك وبين سر الكون وقلب الوجود سبب ولا صلة ، والواقع أنك لا نقي ولا غير نقي ، وإنما أنت لا شيء والطبيعة لا تعرفك وإنها منك براء )) [33] .



غير أننا فيها يتعلق بفي الإرهاب . . عن الخلق المحمدي ، أن النضال البطولي الإنساني للرسول إن دل على شيء فعلى عظمة النبي وقوة شخصيته وصبره العظيم . فما أبعده عن الضعف والجبن والقسوة والإرهاب . . لقد كان قوي الكبير في جميع مواقفه ، جمع الرحمة إلى الحزم ، واللين إلى الثبات ، حتى تمكن أن ينشر رسالة ربه التي صدع بها ، يقول الكاتب ميخائيل طعمة في مقالة له نشرتها جريدة الكرمل التي كانت تصدر في حيفا قبل الاحتلال الصهيوفي :



(( لو لم يكئ خلق محمد عظيما لانقلب عليه محيطه ، ولو لم يكن خلق محمد عظيماً لضعف أمام ما اعترضه من العقبات ، ولرأى نفسه مضطراً إلى مجاراة محيطه ، ولما قوي على إحداث ما أوجده من الانقلاب العظيم ، فبدل الضلال بالهدى ، والجهل بالعلم ، والهمجية بالمدنية )) [34] .

العفو عد المقدرة



ويقودنإ مبعث رحمة الرسول بالاعداء ، و نفي سمة الارهاب عن الخلق المحمدي ، إلى تناول جانب عملي في أخلاق الرسول ، وهو عفوه عن أعدائه عند المقدرة .



يقول المستشرق البريطاني لين بول في مؤلفه : " درسالة في تاريخ العرب ":



(( إن ما تصف به ( محمد ) من الصبر واحتمال المكاره ، والعمو عند المقدرة ، لبرهان لنا واضح على أنه كان صادقآ إذ يقول : ) لا اكراه في الدين ( ( 2/256) فمحمد ذو يقين راسخ وقوة عزم هاثله )) [35] .



ويتناول الكاتب الإسلامي مولانا محمد علي مسألة العفو في أخلاق الرسول ، ما تشكله من جانب هام في شخصيته ، يقول :



(( وكان العفو جوهرة أخرى بالغة الإشعاع في شخصية الرسول . لقد وجدت فيه تجسدها الكامل . ولقد أوصاه القرأن الكريم بـ( أن يأخذ بالعفو ويأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين ).



ولقد جاءه تفسير ذلك من لدنه تعالى . على هذا النحو : ( صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، واغفر لمن أساء إليك ). والحق أن هذه الوصية ( تبق عند الرسول حرفاً ميتاً أو موعظة رخيصة . لقد عاش وفقها حتى في أحرج المواقف . وفي معركة أحد ، عندما جرح وسقط على الأرض ، سأله أحد الصحابة أن يستنزل اللعنة على العدو ، فأجاب : ( أنا لم أبعث لعاناً للعالمين ، ولكن بعثت هاديا ورحمة . . اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ). وذات مرة جذبه بدوي طارحاً دثاره حول عنقه ، وحين سئل الرسول لم لم يعامله بالمثل أجاب قائلاً : إنه لا يرد على الشر بالشر أبداً . وليس من ريب في أن ما أظهره عند فتح مكة من عفو كريم شيء يعز نظييه في تاريخ العالم كله . كان المشركون قد بذلوا كل جهد يمكن تصوره للقضاء على الإسلام واغتيال الرسول . ولكنه لم يوجه إليهم أي كلمة تعنيف على هذه الجرائم الرهيبة كلها . لقد أسبغ عفوه الجزيل حق على أعداء من مثل إبي سفيان الذي لم يدخر وسعاً في العمل على إيذاء الإسلام ، وعلى زوجته هند التي لم تتورع عن مضغ كبد حمزة على نحو بربري شنيع ))[36] .



أما الباحث الإنكليزي ولير موير فقد تحدث عن معاملة رسول الله ، أعداءه تلك المعاملة التي اتسمت بالرحمة والعفو، حين فتحه مكة ، يقول :



(( وعامل حتى ألد أعدائه بكل كرم ********اء حتى مع أهل مكة ، وهم الذين ناصبوه العداء سنين طوالاً ، وامتنعوا من الدخول في طاعته ، كما ظهر حلمه وصفحه في حالتي الظفر والانتصار ، وقد دانت لطاعته القبائل التي كانت من قبل أكثر مناجزة وعداء له )) [37] .



يقول مارسيل بوازار في كتابه : " إنسانية الإسلام " موضحاً نضال الرسول ومنافحته عن المجتمع الإسلامي الجنيني ، ورحمته وعفوه عند المقدرة :



(( وبالرغم من قتاليته ومنافحته ، فقد كان يعفو عنا المقدرة ، لكنه لم يكن ليلين أو يتساح مع أعداء الدين . ويبدو أن مزايا النبي الثلاث ، الورع والقتالية والعفو عند المقدرة ، قد طبعت المجتمع الإسلامي في إبان قيامه ، وجسدت المناخ الروحي للإسلام الاتباعي ، ولا تنفك الأحاديث الشريفة والسيرة النبوية تصور في الأذهان كرم الرسول و تواضعه ، كما تصور استقامته ونقاءه ولطفه وحلمه . وكما يظهره التاريخ قائداً عظيماً ملء ، قلبه الرأفة ، يصوره كذلك رجل دولة صريحاً قوي الشكيمة (ديمقراطياً) ))[38] .

مضاء عزيمه r وثباته على المبدأ



والحديث عن أخلاق الرسول لا بد أن يستدعى وقفة عند مضاء عزيمته ، ووقوفه بثبات ورسوخ دفاعاً عن العقيدة ، يقول توماس كارليل :



((ولان رجلاً ماضي العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد . وطالما كان يذكر يوم « توك » إذ أبى رجاله السير إلى موطن القتال ، واحتجوا بأنه أوان الحصيد وبالحر ، فقال لهم : الحصيد؟ إنه لا يلبث إلا يوماً . فماذا تتزودون للآخرة ؟ وامحر؟ نعم إنه حر ، ولكن جهنم أشد حراً . وربما خرج بعض كلامه تهكماً ********رية . إذ يقول للكفار ، : ستجزون يوم القيامة عن أعمالكم ويوزن لكم الجزاء ، ثم لا تبخسون مثقال ذرة )) [39] .



ويقول مولانا محمد على :



(( ان تراجم الرسول ، التي كتبها أصدقاء له وأعداء على حد سواء ، لتجمع كلها على الإعجاب بعزمه الراسخ وثباته الذي لا يتزعزع ، في أشد المحن قسوة . كان اليأس والقنوط لا يعرفان إلى قلبه سبيلاً ، فعلى إلرغم من أن المستقبل المظلم والمقاومة العنيدة كانا يكتنفانه من أقطاره جميعاً فإن إيمانه بالنصر النهائي لم يهن لحظة واحدة . لقد عجزت أعتى عاصفة من عواصف الشدائد عن أن تزحزحه عن موقفه قيد شعرة . كان من دأبه أن يتخذ للأمر كل عدة ممكنة ، وأن يصطنع للنجاح كل وسيلة متيسرة ، ثم يتوكل على الله . ولم تكن صروف الزمان و تقلبات الأيام لتقوى على إخماد عزيمته . فلم تكد تنقضي على كارثة أحد الرهيبة أربع وعشرون ساعة ليس غير حق انطلق مطارداً العدو . وبكلمة ، فقد كان قلبه ، مهما قست المحن ، متوهجاً أبداً بإيمان راسخ بأن الحق لا بد أن ينتصر في آخر الشوط )) [40] .

خلوص في النية و انصاف بالحكم وحفاظ على الذمام



هذا ، وإن محمداً المناضل الصامد والنبي الملهم ، والقائد السياسي والمشرع العظيم عرف عنه دائماً خلوص انية وانزاهة في الحكم والانصاف ، وحفظه الذمام ، يقول المستشرق والفيلسوف الفرنسي إدوار مونتيه ، في كتابه : « العرب » :



(( عرف محمد بخلوص النية و الملاطفة و انصافه في الحكم ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق ، وبالجملة كان محمد أزكى و أدين وأرحم عرب عصره ، وأشدهم حفاظا على الذمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل ، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم)) [41].

الصدق والأمانه



وعرف الرسول منذ نعومة أظفاره أنه الصادق الأمين ، فكانت سيرته مفعمة بالاستقامة مشحونة بالإخلاص . . .



يقول المؤرخ الفرنسي لاتيس (1847-1909) في مقالة له نشرتها مجلة الهلال المصرية عن أمانة الرسول وصدقه في نضاله في سبيل نشر الرسالة ، ما جعله يحقق معجزة إشادة أول دولة إسلامية :



(( إن محمدا كان مشهورا بالصدق منذ صباه ، حتى كان يلقب بالأمين ، وما زال يسهر لحياة دينه والعرب حتى مات ، وما مات حتى أسس ديناً وأقام دولة ))[42] .



أما المستشرق الفرنسي إميل برينغهام (1857-1924) فقد حاول أن يرسم صورة للرسول بالقلم ، إذ تقصى سائر مراحل حياته ليس في الكتب وحسب بل من روح الحضارة التي غرسها في نفوس أتباعه ، فكتب يقول في كتابه : « الشرق والإسلام » :



(( إنني أردت أن أصور محمداً صورة مطابقة للواقع على قدر الإمكان كما فهمتها كما قرأتها عنه في الكتب ، وكما رأيتها في أرواح أتباعه الحية ، إلى أن قال : فنشاً معتمداً على نفسه ، يرجح اليها في الكبيرة والصغيرة ، ويجهد ويعمل لحسب حياته من عرق جبينه ، إذ لم يكن ذا ثروة تكفيه مؤنة السعي ، فكانت ثروته عند نشأته ، صدقه وأمانته ونزاهته وإخلاصه ، وتلك لعمر الله الكبير الثروات وأغلاها ، تلك كانت صفأته محمد في وسط منحل لا يعرف أخلاقاً ولإنبلاً ))[43] .



ويتحدث الكاتب الإنكليزي توماس كارليل عن طبع الرسول المفكر وسداد أخلاقه ويقدم صورة قلمية عنه ، مظهراً مزاياه الخلقية والخلقية » التي ينبع منها النبل والشهامة والصدق ، يقول :



((ولوحظ عليه منذ فتائه أنه كان شاباً مفكراً » وقد سماه رفقاؤه الأمين ، أي رجل الصدق والوفاء ، الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره » وقد لاحظوا أن ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة ، وإني لاعرف عنه أنه كان كثير الصمت ، يسكت حيث لا موجب للكلام ، فإذا نطق فما شئت من لب وفضل وإخلاص وحكمة ، لا يتناول غرضاً فيتركه إلا وقد أنار شبهته ، وكشف ظلمته ، وأبان حجته ، واستثار دفينته ، وهكذا يكون الكلام وإلا فلا .



وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ ، صارم العزم ، بعيد الهم ، كريماً براً رؤوفاً نقياً فاضلاً حراً ، رجلاً شديد الجد مخلصاً ، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة ، جم البشر والطلاقة ، حميد المعشر حلو الإيناس ، بل ربما مازح وداعب . وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق ، لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأحواله ، هؤلاء لا يستطيعون أن يبتسوا . وكان محمد جميل الوجه ، وضيء الطلعة ، حسن القامة ، زاهي اللون ، له عينان سوداوان تلألآن ، وإنى لأحب في جبينه ذلك العرق الذي كان ينتفخ ويسود في حال غضبه (كالعرق المقوس الوارد في قصة القفازة الحمراء لوالترسكوت ) ، وكان هذا العرق خصيصة في نبي هاشم ، ولكنه كان أبين في محمد وأظهر . نعم ، لقد كان هذا الرجل حاد الطبع ناري المزاج ، ولكنه كان عادلاً صادق النية ، كان ذكى اللب شهم الفؤاد ، لوذعياً كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم ممتلئا ناراً ونوراً ، رجلا عظيما بفطرته ، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم ، وهو غني عن ذلك كالشوكة استغنت عن التنقيح ، فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء ))[44] .



ولكن رغم ما اتصف به النبي من صفات الكمال الخلقي ، كان هناك عدد من المتشرقين بدافع التعصب الأعمى والحقد الطائفي الدفين الذي هو وليد الحروب الصليبية ، دأبهم تشويه صورة الرسول و تروى الحقائق التاريخية . . فنهد لهم المستشرق الفرنسي ميسمر للرد عليهم مسفها تلك الأقاويل ، داحضاً تلك التخرصات في كتابه : « العرب في عهد محمد » ، وذهب إلى الرأي بأن كل من ينكر صدق محمد هو كاذب سفيه لا يتحدث بوحى من ضمره ونعما ذلك المنصف الذي يقول :



(( ان من تسافه و انكر صدق محمد فقد بت بهذه المسألة دون ان يحلها ، و حمل ضميره مسؤولية المكابرة ، و رمى بنفسه الى نهاية سيئة ، إذ ليس من وحي الضمير الحر ما يقارفه أولئك المغرضون على محمد الذي اتصف بكل صفات الكمال )) [45] .

عظيم في أخلافه وسيد الأنبياء في شريعته



كان الرسول عظيماً في اخلاقه إنساناً وقائداً ونبياً ، لا ينطق عن الهوى . . ويرى المندوب الفزنسي على سورية ولبنان مكسيم ويغان ، أنه القدوة الحق بأخلاقه وشريعته ، هذا وقد قال في خطبة له القاها في بيروت عام 1925 بمناسبة ذكرى عيد المولد النبوى :



((مهما احتفل المسلمون بعيد ميلاد محمد فهو قليل ، لأنه جاءهم بدين هو فوق الأديان ، وهو في نفسه كبير، وفي أخلاقه عظيم ، وفي شريعته سيد الأنبياء، فعلى المنصفين أن يحتفلوا بالذكرى عظماء التاريخ، وفي طليعتهم محمد الرسول العربي القائد الأعلى لتحقيق شريعة الله على الأرض ، و تركيزها في صدور الناس )) [46] .

وإنك لعلى خلق عظيم



ليس بوسعنا هنا أن نستعرض سائر شمائل النبي محمد من جوده الذي لا حدود له ، وتهذيه الرفيع ، وشجاعته النادرة ، وحيائه الجم الذي يقرب من خفر العذارى . . وفي أسلوب تعامله مع الاخرين . . . إلاً أنا ندرك من الخطوط العريضة لمناقبه أنه اجتمعت فيه سائر الصفات الحميدة ، ومكارم الأخلاق ، كما ينطبق عليه وصف !لقرآن الكرم إياه بقوله تعال : ) وإنك لعلى خلق عظيم ( .

محمد المثل الكامل



ويتحدث اللورد هيدلي عن اخلاق الرسول راداً تهم الافتراء والتزوير التي حاولت المساس بمصداقية أخلاقه وعظمته .



((ليس في وسع الإنسان ، في الحقيقة ، إلا أن يعتقد أن مدبحبي وناسجي هذه الأفتراءات لم يتعلموا حتى ولا أول مبادىء دينهم ، وإلا لما استطاعوا أن ينشروا في جميع أنحاء العالم ، تقاير معروفاً لديهم أنها محض كذب وافتراء .



إن تعالير القرآن قد نفذت ومورست خلال حياة محمد الذي _سواء في أيام تحمله الألم وا.ضطهاد ، أو في زمن انتصاره ونجاحه _ أظهر أشرف الصفات الخلقية التي لا يتسنى لمخلوق آخر إظهارها .



فكل صفات الصبر والثبات في عصره كانت و ترى أثناء الثلاث عشرة سنة التي تألمها في مجاهداته الأولى بمكة . ولم يشعر في كل زمان هذا الجهاد بأى تزعزع في الثقة بالله ، وأتم كل واجباته بشمم و حمية.



كان r مثابراً ، لا يخشى اعداءه لانه كان يعلم بانه مكلف بهذه المأمورة من قبل الله . ومن كلفه بهذا العمل لن يتخل عنه ..



وقد أثارت تلك الشجاعة التي لا تعرف الجفول _تلك الشجاعة التي كانت حقاً إحدى ميزاته وأوصافه العظيمة _ إعجاب واحترام الكافرين ، وأولئك الذين كانوا يشتهون قتله . . . ومع ذلك فقد تنبهت مشاعرنا ، وازداد إعجابنا به بعد ذلك في حياته الأخيرة ، أيام انتصاره بالمديية ، عندما كانت له القوة والقدرة على الانتقام ، واستطاعته الأخذ بالثأر ولم يفعل ، بل عفا عن كل أعدائه .



العفو والإحسان والشجاعة ، ومثل هاتيك الصفات ، كانت ترى منه في كل تلك المدة ، حتى إن عدداً عظيماً من الكافرين اهتدوا إلى الاسلام عند رؤية ذلك .



عفا بلا قيد ولا شرط عن كل هؤلاء الذين اضطهدوه وعذبوه ، آوى إليه كل الذين كانوا قد نفوه من مكة ، وأغنى فقراءهم وعفا عن ألد أعدائه ، عندما كانت حياتهم في قبضة يده وتحت رحمته ... !



تلك الأخلاق الربانية التي أظهرها النبي الكريمم ، اقنعت العرب بأن حائزها يجب أن لا يكون إلا من لدن الله ، وأن يكون رجلاً على الصراط المستقم حقاً ، وكراهيتهم المتأصلة في نفوسهم ، حولتها تلك الأخلاق الشريفة إلى محبة وصداقة متينة .



محمد المثل الكامل . . . .



ونحن نعتبر أن نبي بلاد العرب الكريم ، ذو أخلاق متينة ، وشخصية حقيقية ، وزنت واختبرت في كل خطوة من خطا حياته ولم ير فيها أقل نقص قط .



وبما أننا في احتياج إلى نموذج كامل يفي بحاجاتنا في خطوات الحياة ، فحياة النبي المقدس تسد تلك الحاجة . حياة محمد كمرآة أمامنا تعكس علينا التعقل الراقي ، والسخاء والكرم ، والشجاعة والإقدام ، والصبر والحلم ، والوداعة والعفو ، وباقي الاخلاق الجوهرية التي تكون الإنسانية .



نرى ذلك فيها بألوان وضاءة . . خذ أي وجه من وجوه الآداب تتأكد بأنك تجده موضحاً في إحدى حوادث حياته .



ومحمد وصل إلى أعظم قوة ، وأتى إليه مقاوموه ووجدوا منه شفقة لا تجارى، وكان ذلك سبباً في هدايتهم )) [47] ...!

فضائل مجسمة لا نظير لها



وفي الختام نرى أن ما ذهب إليه المستشرق الإنكليزي السير وليم موير في كتابه : « حياة محمد » هو خير ما يمكن أن نختم به النظرة الاستشراقية المنصفة لأخلاق الرسول وشمائله ، إذ يقول :



((وباختصار فإنه مهما ندرس حياة النبي محمد r نجدها على الدوام عبارة عن كتلة فضائل مجسمة مع نقاء سريرته وخلق عظيم، وستبقى تلك الفضائل عديمة النظير على الإطلاق في جميع الأزمان : في الماضي وفي الحاضر والمستقبل )) [48] .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

اخلاق الرسول ومناقبة كما رآى المستشرقون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عالم النجم أحمد فتحى ::  :: -